محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
44
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقال الإمام الجنيد « 1 » ، رضي اللّه عنه : « لست أستبشع ما يرد عليّ من العالم لأني قد أصلت أصلا وهو أن الدنيا دار همّ ، وغمّ ، وبلاء ، وفتنة ، وأن العالم كلّه شر ، ومن حكمه أن يتلقّاني بكلّ ما أكره ؛ فإن تلقّاني بكل ما أحبّ فهو فضل ، وإلّا فالأصل هو الأول » . وقال أبو تراب « 2 » رضي اللّه عنه : « يا أيها الناس أنتم تحبون ثلاثة أشياء ، وليست هي لكم : تحبون النفس ، وهي للّه ، وتحبون الروح ، والروح للّه ، وتحبون المال ، والمال للورثة ، وتطلبون اثنين ولا تجدونهما : الراحة والفرح ، وهما في الجنة » . فالواجب على العبد أن لا يوطّن على الراحة في الدنيا نفسه ، ولا يركن فيها إلى ما يقتضي فرحا وأنسا ، وأن يعمل على قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فيما روى عنه أبو هريرة رضي اللّه عنه : « الدنيا سجن المؤمن « 3 » » فتوطين العبد على المحن في دنياه يهوّن عليه ما يلقاه ، ويجد السلوان عند فقدان ما يهواه ، كما قيل في المعنى : يمثّل ذو اللب في لبه * شدائده قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتة لم ترعه * لما كان في نفسه مثّلا رأى الأمر يفضي إلى آخر * فصيّر آخره أوّلا وذو الجهل يأمن أيامه * وينسى مصارع من قد خلا فإن دهمته صروف الزمان * ببعض مصائبه أعولا ولو قدّم الحزم في نفسه * لعلّمه الصبر عند البلا فليتلق المريد ما يرد عليه من ذلك بالصبر والرضا والاستسلام عند جريان القضا ،
--> ( 1 ) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز ( توفي سنة 297 ه - 910 م ) أبو القاسم ، صوفي من العلماء بالدين مولده ومنشأه ووفاته ببغداد ، وهو أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد . من كلامه : « طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة ، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ، ولم يتفقه لا يقتدى به له « دواء الأرواح » رسالة صغيرة وغيرها . ( الأعلام 2 / 141 ، وطبقات الشعراني 1 / 72 وهو فيه « الزجاج » وقيل : توفي سنة 298 ه ، والرسالة القشيرية ص 430 ، ووفيات الأعيان 1 / 373 ) . ( 2 ) أبو تراب النخشبي ( توفي سنة 245 ه - 859 م ) عسكر بن الحصين ( أو ابن محمد بن الحسين ) النخشبي ، أبو تراب ، شيخ عصره في الزهد والتصوف . اشتهر بكنيته حتى لا يكاد يعرف إلا بها ، وهو من بلاد نخشب من بلاد ما وراء النهر . كتب كثيرا من الحديث ، وأخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل وآخرون . وقف ( 55 ) وقفة بعرفة ، ومات بالبادية . قيل : نهشته السباع . ( الأعلام 4 / 233 ، والرسالة القشيرية ص 463 . ( 3 ) أخرجه مسلم ( زهد ، 1 ) ، والترمذي ( زهد . 16 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 3 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 197 ، 323 ، 389 ، 485 ) .